أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

262

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فوق ، وعنه : من شاء فتح ، ومن شاء كسر ، ومنها : أنه قال : إنها بالخفض حسنة ، وعنه قال : قدم علينا أبو عمرو بن العلاء فسألته عن القرآن ، فوجدته به عالما ، فسألته عن شيء قرأ به الأعمش ، واستشعر به : « وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ » بالجر ، فقال : هي جائزة ، فلمّا أجازها ، وقرأ بها الأعمش ، أخذت بها . وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمرو تحسينه لهذه القراءة ولا التفات إليه ، لأنه علم من أعلام القرآن واللغة والنحو ، واطلع على ما لم يطلع عليه من فوق السجستاني : 2903 - وابن اللّبون إذا مالزّ في قرن * لم يستطع صولة البزل القناعيس « 1 » ثم ذكر العلماء في ذلك توجيهات . منها : أن الكسر على أصل التقاء الساكنين ، وذلك أن « ياء » الإعراب ساكنة ، وياء المتكلم أصلها السكون ، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين . الثاني : أنها تشبه هاء الضمير في أن كلّا منهما ضمير على حرف واحد وهاء الضمير توصل بواو ، إذا كانت مضمومة ، وبياء إذا كانت مكسورة ، ويكسر بعد الكسرة والياء الساكنة ، فتكسر كما تكسر الهاء في « عليه » ، وبنو يربوع يصلونها بياء ، كما يصل ابن كثير نحو : عليهي بياء فحمزة كسر هذه الياء من غير صلة ، إذ أصله يقتضي عدمها . وزعم قطرب أيضا : أنها لغة بني يربوع . قال يزيدون على ياء الإضافة ياء ، وأنشد : 2904 - ماض إذا ما همّ بالمضيّ * قال لها هل لك يا تافيّ « 2 » وأنشده الفراء ، وقال : « إن يك ذلك صحيحا ، فهو مما يلتقي من الساكنين » . وقال أبو علي : قال الفراء في كتاب التصريف له : زعم القاسم بن معن أنه صواب ، وكان ثقة بصيرا . وممن طعن عليها أبو إسحاق قال : « هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة ، ولا وجه لها إلّا وجه ضعيف » . وقال أبو جعفر : صار هذا إدغاما ، ولا يجوز أن يحمل كتاب اللّه على الشذوذ » . وقال الزمخشري : هي ضعيفة ، واستشهدوا لها ببيت مجهول : 2905 - قال لها : هل لك يا تافيّ * قالت له : ما أنت بالمرضي « 3 » وكأنه قدر « ياء » الإضافة ساكنة ، وقبلها ياء ساكنة ، فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين ، ولكنه غير صحيح ، لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة ، حيث قبلها ألف نحو : « عَصايَ » فما بالها وقبلها ياء ؟ فإن قلت : جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح ، لأجل الإدغام ، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن ، فحركت بالكسر على الأصل . قلت : هذا قياس حسن ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات . قال الشيخ : « أمّا قوله واستشهدوا لها ببيت مجهول ، فقد ذكر غيره أنه للأغلب العجلي ، وهي لغة باقية في أفواه كثير من الناس إلى اليوم ، يقولون : ما فيّ أفعل » بكسر الياء . قلت : الذي ذكر صاحب هذا الرجز هو أبو شامة ، قال : ورأيته في أول ديوانه ، وأول هذا الرجز :

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت للأغلب العجلي انظر إبراز المعاني ( 550 ) ، معاني الفراء ( 2 / 76 ) . ( 3 ) تقدم .